ابن حزم

475

الاحكام

إنما يلزمنا الامر إذا بلغنا ، وكذلك الامر لم يبلغ بعد إلى المسلمين ، فأجاب بعض من سلف القائلين بقولنا : إنه تعالى قد أبلغ أمره بذلك إلى رسوله ، فهو سيدنا وإمامنا فكان الخمسون اللازمة له لبلوغ الامر إليه ، ثم نسخت عنه قبل أن يعمل بها . قال أبو محمد : فإن قالوا : لم يرد الله تعالى قط بالخمسين إلا خمسا يعطي بكل واحدة عشر حسنات ، واحتجوا بما في آخر الحديث من قوله تعالى : هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي فالجواب ، وبالله تعالى التوفيق : إن هذا الكلام هو بيان قولنا لا قولهم ، لان الخمس لا تكون خمسين في العدد أصلا ، وإنما هي خمسون في العدد ، وخمسون في الاجل ، وكنا ألزمنا أولا خمسين في العدد وهي خمسون في الاجر فقط ، فأسقط عنا التعب وبقي لنا الاجر ، فصح أن الساقط غير اللازم ضرورة ، وبرهان ذلك حطه تعالى إلى خمس وأربعين وإلى أربعين ، ثم إلى خمس وثلاثين ثم ثلاثين ، وهكذا خمسا خمسا حتى بقيت خمسا ، وهذا لا إشكال فيه ، في أن الملزم غير المستقر آخرا ، فبطل اعتراضهم ، والحمد لله رب العالمين . ومن طريق ما اعترض به بعضهم أن قال : لعله عليه السلام قد صلى الخمسين صلاة قبل نسخها ، أو لعل الملائكة صلتها قبل نسخها . قال أبو محمد : وهذا جهل شديد ، ولو كان لقائل هذا أدنى علم بالاخبار لم يقل هذا الهجر ، لان الاسراء إنما كان في جوف الليل ، ولم يأت الصباح إلا وهو صلى الله عليه وسلم قد رجع إلى مكة وكان بها قبل مغيب الشفق وبعد غروب الشمس ، وقبل طلوع الشمس من تلك الليلة ، وإنما لزمت الخمسون في يوم وليلة . وأيضا فهو عليه السلام ، يذكر بلفظه في الحديث : أنه لم ينفك راجعا وآتيا من ربه تعالى إلى موسى عليه السلام ، وأما الملائكة فلم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، بل بعضهم هم الرسل من الله تعالى إليه ، وإنما بعث إلى الجن والإنس الساكنين دون سماء الدنيا ، وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين مع النصوص الواردة في القرآن والحديث في خطاب هذين النوعين فقط ، وإنما بعث إليهما فقط ، والملائكة في مكان لا ليل فيه ، وإنما هي في السماوات التي هي